string(55) "http://dumrt.ru/ar/articles/theology/analytics_236.html"
Мусульманский телефон доверия
Мусульманский
телефон доверия202-4-202
Корбан бәйрәме җитәргә
29.01.2014 09:42

 

أتعلم أخي القارئ المغربي و العربي ان قازان, عاصمة جمهورية تتارستان التي توجد في روسيا الاتحادية, لاتقل اشعاعا عن كبريات العواصم الأوروبية الغربية في مجال الدراسات الاستشراقية على العموم والدراسات الاستعرابية على الخصوص.

لقد أنجبت أرض قازان المباركة الكثير من العلماء والباحثين الروس المرموقين في مجال الدراسات العربية والإسلامية كما استضافت وتستضيف الكثير من العلماء العرب. وقد ذاع صيت المدرسة الاستشراقية الروسية واشتهرت داخل الأوساط العلمية العالمية بجدية أبحاثها وإبداعاتها وذلك بفضل تواجد رصيد هائل من المخطوطات الاسلامية المكتوبة باللغات العربية والتترية والتركية والفارسية داخل الامبراطورية الروسية والذي جمعته شعوب التتر والبلغاروالمغول وشعوب القوقازواسيا الوسطى خلال الفترة الممتدة من القرن السابع حيث انطلق الفتح الاسلامي ,في بلاد الداغستان (حاليا جمهورية روسية) على يد الخليفة عمر ابن الخطاب, الى حدود سقوط مملكة قازان المسلمة في منتصف القرن السادس عشر.

 وقد يرجع الفضل في الحفاظ على هذا التراث وايفاد العلماء العرب والأجانب ذوي الاختصاص الى روسيا للمساهمة في دراسته وتدريسه ونشر الكتب والمقالات وتوثيق المخطوطات والمطبوعات والمسكوكات المتعلقة به, خصوصا المكتوبة منها بالحرف العربي , الى الثورة الدبلوماسية و العلمية والتقنية والمعرفية التي احدثها في روسيا القيصر بطرس العظيم في نهاية القرن السابع عشر وبداية القرن الثامن عشر. والحقيقة ان القيصر بطرس العظيم  فطن الى أهمية المصادر العلمية والتقنية والمعرفية العربية و الاسلامية  التي بنت أوروبا نهضتها عليها خصوصا تلك التي تمت ترجمتها من طرف الأوروبيين مباشرة من اللغة العربية الى اللغات اللاتينية في الاندلس ابتداءا من القرن الخامس عشر أي بعد سقوط الاندلس المسلمة في سنة 1492. والحقيقة كذلك ان القيصر المذكوراهتم كثيرا بموضوع الاستشراق وأسس له في عاصمته سان بيترسبورغ عدة مؤسسات ومعاهد وشعب جامعية لدراسة الوثائق الاسلامية التي كانت, ولاتزال اليوم, بحوزة روسيا.

واذا كنا سنطرح جانبا قضية الموروث العلمي والتقني والمعرفي الاسلامي المحض لمملكة قازان وغيرها مما كان يعرف بالممالك الاسلامية التي تم دمجها الى روسيا منذ القرن السادس عشر, فانه لمن المثير للإعجاب والتقدير ان قازان أصبحت في الوقت الحاضر,  رمزا من رموز التعايش السلمي والتناغم الاجتماعي بين الأعراق والديانات والثقافات المتعددة التي يتكون منها النسيج الاجتماعي والسياسي لدولة روسيا الاتحادية المعاصرة.

فعندما زرت هذه الأرض المباركة في 2012 , للمشاركة في المؤتمر الثامن للمستشرقين الروس والأوراسيين الذي انعقد بقازان من 25 الى 28 سبتمبر من نفس السنة, ذهلت لما رأيت عند أعلى هضبة بالمدينة حيث يقف شامخا المسجد الكبير لمدينة قازان وبجانبه كاتيدرائية البشارة التي تم بناؤها بأمر من القيصر ايفان جروزني بعد سقوط قازان في1552 . فحسب معرفتي لايوجد في العالم مكان اخر يحمل رمزا للتعايش والسلام, بهذه الشحنة التاريخية والسياسية, ككريمل قازان, بل ان كريمل قازان يحمل رسالة السلم والأمان والتعاون للإنسانية جمعاء, في زمن عصيب تمادى فيه البعض في اشعال الفتن بين الأعراق و الديانات وإدخال الفرقة والشقيقة بين مختلف الحضارات والثقافات, بل نادى البعض الاخر بنهاية العالم.

 وبالنظر الى ما يحدث في العالم العربي حاليا, تسدي روسيا الاتحادية خدمة كبيرة للعالم من حيث أنها تدافع باستماتة على سيادة القانون الدولي والاستقرار في العالم وتساهم بصفة فعالة في انجاح حوار الحضارات, حيث ان تجربة التعايش  والتناغم بين الحضارات و الديانات في تتارستان وفي الجمهوريات  و الجهات الروسية ذات الأغلبية المسلمة التي تتمتع بالحكم الذاتي الموسع تعتبر تجربة رائدة في العالم. وتنحو روسيا منحى طبيعيا في ذلك نظرا لكون العالمين الاسيوي والعربي الإسلاميين يعتبران جارين مباشرين لها منذ اكثر من ألف سنة.  

وبالرجوع الى دور قازان في اثراء الدراسات الاستعرابية والاستشراقية الجادة, والتي ساهمت في تقارب الشعوب السلافية مع جيرانهم من المسلمين في اسيا وأوربا, وجب علينا ان نذكر ان جامعة قازان رأت النور في 1804 أي قبل حوالي نصف قرن من انشاء جامعة سان بيترسبورغ. فكانت بذلك من أولى المؤسسات الرسمية الروسية التي تخصصت بالحضارة العربية الاسلامية والحضارات الشرقية على العموم, بل ان قازان كانت سباقة لإنشاء أول مطبعة بالحروف العربية والتركية والفارسية والتترية سنة 1802, حيث طبعت بها مئات الآلاف من الكتب والمطبوعات والوثائق باللغة العربية و باللغات الشرقية المكتوبة بالحروف العربية ومنها اللغة التترية والفارسية والتركية والأفغانية الخ. وبقي هذا النشاط المطبعي على حاله الى ان تم استبدال الحروف العربية بالحروف الروسية نهائيا في عهد ستالين.

 ولايغييب عن ذوي الاختصاص حول العالم ان قازان كانت سباقة كذلك لترجمة القرآن الكريم مباشرة من الأصل العربي الى اللغة الروسية, فكما هو معروف تمت هذه الترجمة في سنة 1878 على يد العالم الجليل سابلوكوف, وطبعت بقازان أكثر من مرة. وقد كانت لهذه الترجمة الأثر العميق على النخب الروسية وعلى مسلمي الامبراطورية الروسية و بل امتد هذا الأثر الى أوساط المسلمين في سائر أوروبا الوسطى والشرقية والجنوبية وفي البلقان بالتحديد حيث ان الكثير من شعوب هذه المناطق من أصل سلافي أو تركي أو تتري ناطق باللغة الروسية.

أما فيما يتعلق بالدراسات المتعلقة بالمخطوطات وبالمسكوكات العربية والشرقية الهائلة التي تواجدت داخل الجمهوريات الروسية ذات الأغلبية المسلمة , أو التي اشترتها المؤسسات الروسية من حول العالم  فإنها لم تأخذ مسارها الصحيح إلا مع قدوم العالم الألماني فرين الى قازان. فإذا اعتبرنا ان العالم فرين من الآباء المؤسسين للاستشراق في روسيا, فانه من الواجب علينا التذكير بأن هذا العالم لم يكن ليصل الى ما وصل اليه من نجاحات علمية مشرفة وفريدة من نوعها الى الوقت الحاضر لولا المرحلة الحاسمة التي قضاها بجامعة قازان, حيث درس بها وعمل بها لمدة 10 سنوات , أي منذ انشاء هذه الجامعة الى تاريخ استدعائه الى العاصمة سان بيترسبورغ سنة 1817. ففي هذه المرحلة من حياته العلمية تفرغ فرين لدراسة المخطوطات والمسكوكات العربية والإسلامية وبرع في ذلك كما لم يبرع غيره في ذلك الى اليوم.

كما ان قازان كانت قبلة للعلماء من مغارب الأرض ومشارقها , اذ عمل بها الكثير من العلماء الكبار ككاظم بك و بيريزين وكوتولد على سبيل المثال وقد الف هؤلاء العلماء كتبا عديدة توجد نسخ منها في كبريات المكتبات الروسية , وقد دهشت أيما دهشة حين كنت اطلع على البعض منها بمكتبة لينين بموسكو أيام كنت أعمل بسفارة المملكة المغربية بروسيا الاتحادية. فالحقيقة ان هذه المؤلفات غير معروفة في جل الوطن العربي والإسلامي مع ان البعض منها يعتبرا من أحسن ما كتب عن الفكر العربي والإسلامي في القرنين التاسع عشر والعشرين.

والحقيقة التي لاخلاف حولها عند أهل الدراية في موضوع الاستشراق بروسيا ان قازان ساهمت بغزارة وبجودة قل مثيلها  وذلك على مدى أكثر من نصف قرن بكتابات جادة في موضوع العرب والمسلمين, وبقيت قازان رائدة في مجال الدراسات الشرقية.

والملاحظ كذلك انه بالرغم من توقف شعبة الاستشراق بجامعة قازان في بداية النصف الثاني من القرن التاسع عشر , فقد ظهر العديد من المستعربين الروس من أمثال كوتولد وكاطانوف وخولماكوروف وغيرهم ممن نجحوا في استعادة مركز الصدارة لقازان في مجال الدراسات الشرقية والإسلامية منها بالتحديد.

 وكما هو ثابت في الجغرافية السياسية لروسيا الاتحادية فان الوطن العربي وهو جزء من العالم الاسلامي يعتبر من أهم جيران روسيا منذ ان نشأت الدولة الروسية في القرن العاشر بكييف (عاصمة أوكرانيا حاليا) . ولاتزال روسيا حريصة الى اليوم على رعاية المؤسسات الرسمية والشعبية التي تعنى بدراسة العالم العربي والإسلامي وتقدم لها الدعم اللازم للقيام بالمهام المنوطة بها وعلى رأسها تقديم الخبرة والمعلومات للمسؤولين السياسيين والدبلوماسيين ومساعدتهم في اعتماد السياسات الحكومية التي من شأنها تخدم المصالح الوطنية وتقوي العلاقات الحميمية التي تربطها بجيرانها العرب والمسلمين.

وإذا كانت الدولة الفدرالية الروسية تعتمد في سياساتها كل ما من شأنه تعزيز الاستقرار والسلم والنمو الاقتصادي والإنساني في محيطها الاستراتيجي الاسلامي فان قازان تحتل في هذه السياسة مركز الصدارة وتربطها روابط أخوية متينة بجل الدول الاسلامية والعربية.   

 وقد يطول الحديث حول النجاحات الدبلوماسية والاقتصادية والعلمية والثقافية التي حققتها هذه المدينة المباركة وكانت سباقة في العالم الاسلامي برمته في ماضيها وحاضرها , ومن أجل الانصاف والاعتراف بفضل ذوي الفضل على الدراسات الاستشراقية عموما والدراسات العربية والإسلامية خصوصا ارتأيت ان أشير باقتضاب الى رواد المدرسة الاستشراقية بقازان وأسأل الله ان يلهم صدور الاختصاصيين العرب والمسلمين حتى يتداركوا التقصير الذي يسجل عليهم في دراسة رواد هذه المدرسة والتعريف بمساهماتها الفذة والكثيرة , ولاسيما في الوطن العربي حيث لانكاد نرى إلا قلة قليلة من الجامعيين اللذين يعملون في مجال الدراسات العربية والإسلامية في روسيا.

وعند تواجدي بقازان للمشاركة في أعمال المستشرقين الروس والأوراسيين لمدة أربعة أيام ذهلت كذلك كثيرا لكوني كنت العربي الوحيد الذي حضر المؤتمر السالف الذكر وقد أكد لي رئيس جمعية المستشرقين الروس والاوراسيين وكذا عميد الجامعة الفدرالية لقازان ان الدعوة للمشاركة في المؤتمر وجهت لكل السفارات والهيئات والفعاليات العربية والإسلامية داخل روسيا وخارجها.

ان السؤال الذي سيبقى مطروحا هو لماذا لايهتم المؤرخون والجامعيون والأدباء والدبلوماسيون العرب والمسلمون , الاهتمام الكافي , بهذا التراث الاسلامي الضخم الموجود في روسيا والذي لايقل أهمية عن التراث الحضاري العربي الاسلامي في الأندلس وفي اسيا الوسطى مثلا ؟

والجدير بالذكر ان هذه المناطق دخلها الاسلام في القرن السابع الميلادي , أي في القرن الأول الهجري وهو نفس التاريخ الذي انتشرت فيه الحضارة الاسلامية في الوطن العربي وفي اسيا وأوروبا. ونحن نعلم من خلال كتاب "المسالك والممالك" لابن خردادبة  ومن "رحلة" أحمد ابن فضلان ومن غيرها من المصادر التاريخية ان مملكة البلغار وسيبير وممالك أسيا الوسطى وكذا الامبراطوريات التي قامت على ضفاف الفولجا والهند, كانت لها علاقات متميزة مع فاس وقرطبة والقدس و بغداد ودمشق والاسكندرية وغيرها من العواصم الاسلامية التي تشكلت عبر التاريخ الدبلوماسي الطويل بين العرب والمسلمين من جهة والممالك السلافية من جهة ثانية.

ونود ان نقول لذوي الاختصاص ان شعب تدريس اللغات الشرقية في قازان وعلى رأسها لغة القران الكريم , سواء في الجامعات أو في المدارس العليا , لتواقة الى التعاون مع مثيلاتها في العالم العربي والإسلامي. فاليوم هناك بعض المستعربين الروس المرموقين , لكن أوضاع الاستعراب ليست في الوضع الذي كانت عليه في عصرها الذهبي بقازان وبسائر روسيا. والحقيقة ان بعض الدول والهيئات العربية والإسلامية تحاول تكثيف تعاونها الثقافي والاقتصادي مع روسيا الاتحادية نظرا لتطابق الرؤى فيما يتعلق بالقضايا الدولية والاقليمية, لكن هذا التعاون لم يصل بعد الى مستوى أماني الشركاء الروس والعرب.  

الادريسي وزير مفوض قائم بالأعمال

بسفارة المملكة المغربية بموسكو سابقا